الحسرة - موسى غافل

بواسطة عدد القراءات : 289
الحسرة - موسى غافل

الحسرة - موسى غافل

 

كانت (صفية) ذات العينين الحالمتين ، تبدو مشغوفة بحكاية عابرة لإبراهيم عن شبيهة لها . و كان يهمه أن يمضي بحديثه عن مجريات أيامه الآفلة متعمدا ان يشدها ، لكي تنصت لعذوبة حديثه . متعمداً أن يستعرض نفسه على إنه هو الأعزب الذي ينبغي الا يستسلم لليأس ، بان عمره آفل و يحث الخطى نحو الرحيل .

 

و قد اتعبته مسيرة الترحال كما هو الغجري : ألذي يعزف الحانه الحزينة في المدن القصية .. كأنه مجبول على قطف أزهارعمره ، و يزرع الأشواكً بديلاً .

 

و مثلما انشدت (صفية) لملامحه المحببة و استهامت بكلماته المُعذّبة المثيرة للشجن . ملتزمة جانب الصمت لكي تتسقط ما يتفوّه به. كي  يسرد حكايته ، مذعنة لسطوة ما يقول ، بابتسامة حزينة . يهمها أن تستدرجه ليشدو بلقطات خجولة من ذكراته عن الراحلة . بقراءتها لما يعرضه من افكار فتهيم : بما يقول . وتبتسم برغبة جامحة لكي تتحسس بوجوده أمام عينيها . بعذوبة إنشداداها ، الذي يتوسد شجون حديثه الوثير .

 

مضى هو بهديل كلماته ، مثمولاً بنظرات عينيها الحزينتين .

 

وتساءلت هي في اعماقها : أمن أجل هذا يتأمل في ملامحها خلسة ؟

 

كانت ترصده حينما أثارت ارتباكه تلك المكالمة الخاطفة و مغادرته مسرعاً . حتى انه لم يسعه أن يودعها .

 

***

 

حدثها بعد عودته بوضوح عن مغادرته لمدينته القديمة . فقد كان الأمر يتعلق بالراحلة .

 

سألته :

 

- و هل لا زلت تحمّل نفسك جزءا من فجيعتها ؟

 

فقال متأنياً :

 

- أنت تعرفين أكثر مني ؛ إن المرأة بحرٌ زاخرٌ بالمشاعر . و يخطأ الرجلُ عندما يرميها بمزاحه بلا مبالاة . و أنا لا أدري بعواقب ممازحتي التي القي بدربها كلماتي و هي ما زالت في مرحلة الطفولة .

 

كلما أرحت رأسي ، من بَعْد ، على وسادتي ، و أنا أسترجع تلك الذكريات ، و هي تلتقيني بلا أباليتها ، كانت ليست سوى عبث من ممازحة عفوية ، القيها بطريقها دون أكتراث .

 

كانت قبل زواجها ليس سوى طفلة هزيلة ، أرهقها العوز ، لا تبدو عليها ملامح ملفتة .أمازحها و أنا ماض في طريقي :

 

ـ أتوافقين أن أخطبك ؟

 

فتغادرني مهرولة و هي ( تبرطم ) (1) .

 

بعد زواجها .. كانت تلتقيني و قد تغيرت ملامحها تماما . و بدت تتسم بالرشاقة و الجمال الأخّاذ . كنت قد اعتدتُ أن أحييها باحترام و أمضي في طريقي . هذا كل ما يخطر ببالي . لا يوجد أي أمر آخر .

 

مضت الأعوام ، و انتقلتُ إلى هذه المدينة . و لم يعد ببالي ما يذكرني بها . حتى ذلك اللقاء لم تترك لي الأيام الصعبة اللاحقة أية فرصة لاستدرج به أي شيء عنها . و انقطعتُ مشغولاً بهمومي . و كاد يبلغ آخر لقاء معها الخمسين عاماً .

 

و ما أثقل رأسي بالعديد من الأمور الثقيلة اللاحقة ، كانت حرية أن تندثر تحت ركامها الذكريات التي تصورتها عابرة . و لم تترك لي فسحة وقت أحك فيها رأسي .

 

و كما تعلمين فوجئت بمكالمة من أقاربي الموجودين هناك تقول : انها تسأل عني و ترجوني أن أصلها كي تشاهدني . و عجبت من ذلك .. كيف بقيت هذه المرأة تحتفظ بذكراي بعد هذة السنين الآفلة ؟

 

عادت ذكرى تلك الأيام . و بدأتُ أستدرج أحداثها و أرتب مفرداتها التي لم يكن فيها ما يثير، و أنا أتساءل :

 

- أي شيء استدعاها أن تطلبني ؟ !

 

و عند سفري إلى مدينتي استأذنت بالدخول إلى دارها ، و لاقيت الترحيب بعد غيابي الطويل ، فعائلتها من معارفي .

 

ظلت عيناي تصبوان لملاذات البيت علّها تطل . لكن الوقت ظل يمضي دون جدوى ، فقد كانت غائبة عن الدار . و سرعان ما عدتُ ، من حيث أتيت . و لم أشغل بالي بالموضوع كثيرا .

 

و يبدو ان عائلتها اخبرتها بمجيئ ، و لم تفلح بلقائي . لكن وصاياها لم تنقطع . كانت المكالمات تأتيني من معارفي بإلحاح – اكتشفت أيضاً و لكن بعد الفاجعة ؛ ان آخرين مقربين لم يخبروني بوصيتها إلاّ بعد وفاتها ، و لم يكن لديّ الوقت أن أقطع هذه المسافة الطويلة . لكن الأمر شغل بالي بقوة . و داعب قلبي شعورٌ بالشوق و كان في نيتي ان استجيب . لكني اعتدت أن أكون متماهلاً لطول الطريق . و أرجأت ذهابي إلى وقت مناسب .

 

يا إلهي . . . و كما شاهدتِ بعينكِ .. استلمت المكالمة الملحة من معارفي . تقول : إنها بحالة خطرة و ترقد في المشفى . كانت المناشدة ملحة جداً. و كان ذلك قد شغلني كثيرا ، و شكل في قلبي ندماً قاسياً . و أسرعت على الفور إلى المدينة التي ترقد فيها . المدينة تبعد بحدود الماءة و الخمسين كيلومتر .

 

وصلت على عجل . كانت عائلتها تمكث في ممرات المشفى يكلكل عليهم الوجوم . و بعد السلام التقتني أختها باكية :

 

- كانت تسأل عنك و تقول : ألم يأتِ ؟

 

يا إلهي .. اغفرلي خطيئتي ... في غرفة الانعاش . صعقت بحالها وهي تبدو على شفى الهلاك و أسرت لها أختها بمجيئي . كانت تستلقي بذلك البهاء . لا يبدو أن حالتها الخطيرة قد أمضت بسلاحها كي تعبث ببهائها .

 

اقتربت اختها منحنية فوقها قائلة بصوت رقيق مسموع كأنها تريد أن تنتزعها مما هي فيه :

 

- هذا هو إبراهيم قد جاء . لماذا لا تفتحي عينيك و تريحي قلبه ؟

 

التفتت اختها نحوي و قالت :

 

ـ كلمها و دعها تسمع صوتك .

 

اقتربت منها ، و أنا أكفكف دموعي . ركعت على ركبتيّ بجنب السرير من جهة كتفها اليسرى، و مالَ حنكي بثقله على حافة السرير ، و كأنه ينوء بما لم أألفه من قبل :

 

ـ رقية .. هذا انا ابراهيم . الستك راغبة أن تشاهديني ؟

 

لم تفتح عينيها بل شاهدت دموعها تنحدر ببطء .

 

كنت أنظر للعداد الذي يعدُ ضربات القلب ، كأني أرجوه ألاّ يعلن نهايتها . لكنه أبى إلاّ أن يمضي بأنينه الموجع ، كان كما لو أنه ينتكس ثم يستيقظ من جديد ، و يئن متعثراً .

 

كانت الدقائق ثقيلة قاسية ، و كنت أتجه للطبيب بمفردي مسرعاً ، متخطياً أي عرف ، مستنجداً به . لم يقل شيئاً ، بل جاء معي بخطواته الثقيلة . كنت أراها ثقيلة جداً . كنت منشداً إلى فمه كما لو كانت حياتها رهينةً بين شفتيه .

 

مكث قليلاً بصمت .. ثم اوصى برفع الجهاز معلنا وفاتها .

 

***

 

كانت ( صفية ) ذات العينين الحزينتين ، تكفكف دموعها و هي تقول :

 

- على الأقل .. ما كان الأجدى بك .. أن تتركها تمضي وفي قلبها تلك الحسرة . أما أنت .. فكفاك ضنى هذه الرحلة الشاقة .

 

ثم استوت واقفة و قالت :

 

ـ دعني أُهندِمْ ربطة عنقك .

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) تبرطم تهدل شفنيها ساخرة

Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter Twitter Post on Facebook :مشاركة في