الكلب والجلباب - عبد الجليل المفهوم

بواسطة عدد القراءات : 438
الكلب والجلباب - عبد الجليل المفهوم

الكلب والجلباب - عبد الجليل المفهوم

كان يرتدي جلباباً رديئا ممزقاً لعله كان يناسب جسده منذ أربع سنوات، يحمل فوق كَتفه الأيمن كيساً بلاستيكياً تفوح منه رائحة التين اليابس، ينتظر دوره ليبيعه واقفاً وراء طابور طويل يضم نساءً ورجالاً وأطفالاً مثله ما يجمع بينهم من البؤس والهزائم النفسية هو اكبر مما يفرق؛ على ما يبدو فالواقع أجبره مرة أخرى أن يُشْهر أوراقه الأخيرة في وجه طوفان من القروض، كان بطلها علال صاحب الدكان؛ الذي لم يعد باستطاعته أن يسدي له أية خدمة تذكر، ولم يعد بمقدور صاحب الجلباب هو الآخر زيارته، بجانبه كلب نحيل كان مجرد النظر اليه يثير في دواخل المرء رغبة في الهلوسة، كان يرتجف كورقة في مهب الريح على ما يتضح  فهو الآخر لم يسلم من مساطر هامش الهوامش، كل القاطنين في هذه الرقعة الجغرافية  ينالون حقهم من السوط،  بشراً كانوا أم حيوانات؛ على هذا الشبر من الأرض كتَبتُ عبارة مرئية للقاطنين فقط مفادها "هنا يباع البؤس بالجملة والتقسيط"، كنت منشغلا بالتهام نصف خبزة حافي جلبتها معي الى السوق، في الآن نفسه كان الكلب يتابع حركة يدي بعينيه القاتمتين اللتين تبدوان واسعتين، لكنهما تتسعان أكثر وأكثر عندما افتح فمي...لم استحمل هول المشهد، اتجهت نحو بائع الدواجن وطلبت منه مدي بقليلٍ من بقايا الدجاج، عدت الى نفس المكان ثم وضعت تلك البقايا على  قطعة من الورق المقوى، وفي دواخلي كنت أرجو الله أن يستمتع الكلب بالوجبة استمتاعا يضاهي براءة تلك النظرات التي لمحني بها ، وأن أعيد له بعض الآمال، إنني لا أريد أن يشعر هو الآخر بالغربة والضياع في هذا الوطن...وأنا أستمتع بإلتهام  الكلب لوجبته، جاء الي مساعد التاجر.

 

قائلا:

 

 ماذا هناك؟

 

اجبت -مبتسما-:

 

أريد بيع بعض الأحذية البلاستيكية وبعض علب السردين؟

 

قال -ساخرا- :

 

أشيائك عفى عليها الزمن وشرب؟

 

لكن من باب الإنسانية سأشتري منك بضاعتك، لكن بنصف الثمن المعهود...قلت في دواخل نفسي باسم الإنسانية وباسم كثير من الألفاظ الفضفاضة يتم التحايل علينا. لكن ما بيد المرء حيلة، حينما يُهَاجَمُ من كل الجهات فلابد أن يختار الجهة الأقل إجادة للضرب المبرح.

 

أخذت المبلغ وذهبت باتجاه بائعي الخضر، كانت عقارب الساعة تشير حينها الى الرابعة زوالا، إنه الوقت المحبوب للطبقة المعدمة، حيث تكون فيه أثمنة الخضر هي الأخرى معدمة، المعدم يجبر على اختيار المعدم بهذا جرت العادة.

 

بينما كنت انتقي الصالح من الخضروات، فوجئت بكلب صاحب الجلباب يعوي فرحا برؤيتي، على ما يتضح فإن الله استجاب دعائي وكانت وجبته تذكرة سفر نحو المرغوب فيه. الكلب مربوط بسلك صَدِئْ من رقبته، وفمه مغلق بنصف قنينة بلاستكية عليها مجموعة من الثقوب. أما الرجل فهو الأخر كان منشغلا بانتقاء أجود الخضر من تلك الخضر الراسبة في عيون ذوي الجيوب الممتلئة بالكثير من القروش.

 

بقينا في السوق الى ان بدا لنا نور النهار يجمع شتاته، والسماء اخترقتها الغيوم طولا وعرضا، وقفت حائرا أمام هذا الجو الذي ذكرني بذكريات مأساوية كنت عشتها في نفس الوقت من السنة الماضية، لم اجد اي وسيلة نقل تقلني الى الدوار مباشرة.

 

في نهاية المطاف قررت الركوب على متن دراجة ثلاثية العجلات إن كان الدوار بعيدا عن دوارنا بأزيد من ثمان كيلومترات فإنني اخترت الذهاب بدل المجازفة والانتظار المحفوف بالمخاطر ركبنا التريبورتور، في منتصف الطريق انهمر المطر من السماء، و بدت الطريق المعبدة بالطين كعجين سائل، عطل فرامل الدراجة ثلاثية العجلات، لولا الألطاف الإلهية، لأُرْسل البعض منا الى ملاقاة ملك الموت، والبعض الآخر سيرسل لملاقاة مستشفيات فارغة ستأشر لنا على رخصة الإقامة الدائمة في شبر أرض.

 

وصلنا الى دوار صاحب الجلباب والمطر لازال مصرا على الانهمار، سألت الرجل عن مكان المسجد، لكي أصلي بعض الصلوات التي فاتتني في السوق وأترك البعض الآخر حتى أصل الى البيت، أخبرني الرجل بأن المسجد لا يفتح الا في أوقات الصلاة خاصة  بعد أن تم سرقة إناء نحاسي وبعض الأواني من المسجد، ومنذ ذلك الحين وهو يربي الكلب ولا يستحمل فراقه.

 

دعاني سي حسن الى بيته، لم اتردد ولو للحظة وقبلت طلبه، دخلنا الى بيته، استقبلني أفراد أسرته بحفاوة، دخلت الى غرفة وجدت قصب سقفها يبكي من شدة المطر، الا انها افضل من الجلوس في ذلك الجو البارد، ونقاشنا أنا وسي حسن كان ممتعا أخفى قساوة كل الأشياء التي حولنا.

 

إنتهينا من العشاء وبدأنا نتناول أطراف الحديث، أنا وأفراد الأسرة، فجأة سألتني "لا لا هرى" قائلة:

 

هل اتصلت بزوجتك وقلت لها بأنك ستنام عندنا؟

 

-قلت:

 

نعم لقد اتصلت بها قبل أن أدخل الى البيت.

 

 ما إن فَهِمَتْ الفتاة بأنني متزوج حتى اختفت الابتسامة من وجهها، لكن تداركت الأمر، وقلت:

 

 " الله افكرني في الشهادة"، أقصد انني اتصلت بأمي، رجعت الابتسامة الى وجه الفتاة الجميلة، وضحك كل ما في أرجاء الغرفة.

 

وقالت "لا لا هرة":

 

مرحبا بيك أولدي ها البنية قدامك الى بغتي تزوج.

 

قلت:

 

ان شاء الله منلقاش ما حسن منكم.

 

غضب سي حسن غضبا رهيبا من زوجته، واستبدت به على حين رغبة جامحة في أن يهينها بطريقة او بأخرى.  

 

استيقظت في الصباح منهار القوى بعد نوم لم يجلب لي أية راحة، تناولت وجبة الفطور ثم منحت رقم هاتفي لسي حسن، تواصلنا لمرات عديدة، و في كثير من الآحيان كنت أزورهم في البيت، الى أن انقطع اتصالي بهم بشكل نهائي، بسب عطل مس هاتفي الشخصي نتج عنه فقداني لأرقام هواتف معارفي، بالإضافة الى كونهم قد غادروا الدوار بشكل نهائي خاصة بعد أن تراكمت عليهم الديون ولم تُترك لهم فرصة اعادة ترتيب أوراق حياتهم.

 

مرت أكثر من سنتين وسي حسن وعائلته لم يعد لهم أثر...بينما كنت أمارس طقسي المعهود في أسواق هامش الهوامش، فوجئت برجل ضخم البنية، منتصب القامة، لا تفارق نظراته تحركاتي يمسك بيده اليسرى كلب ناصع اللون مربوط بحبل من القطن يشبه كلاب السوق في الإسم فقط.

 

لم أُعر الأمر أي اهتمام، خاصة وأن الكثير من أمثاله يأتون الى هذا السوق باحثين عن ارخص الأيادي العاملة...بعد فترة من الزمن جاء الرجل في اتجاهي، مسكني من يدي.

 

قائلا:

 

هل نسيتني ايها الرجل؟

 

قلت:

 

لا أعرفك، لكي انساك

 

قال لي:

 

 

انا حسن صديقك، كنت تزورني في بيتي، انا زوج "لا لا هرة"، لقد غادرت الدوار منذ ان وجدت صندوق خشبي ممتلئا عن آخره بالذهب والفضة، ومنذ ذلك الحين قطعت الصلة، بالدوار لأنني كنت خائفا من أن يسلب مني الصندوق...

 

Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter Twitter Post on Facebook :مشاركة في