عودة - سامح إدوار سعدالله

بواسطة عدد القراءات : 268
عودة -  سامح إدوار سعدالله

عودة - سامح إدوار سعدالله

 

 

كان يحلم يوماً بالعودة , وظل هذا الحلم يراوده طيلة سنوات الغربة , كيف ينسى و من ينسى أيام الصبا ؟ أصبح أكثر قلقاً في الأيام الأخيرة . داخله حماسة قوية للعودة هناك إلى أرض الوطن . الدار القديمة و الحقول و الأشجار و النخيل , لكن هناك من يرفض عودته لازال هناك موانع كثيرة , حِقد و معارك و مشكلات , لأن الدم مهما أن طال الزمان و أبتعد المكان لا يُنسى أبداً ربما تهب رياح التغيير في كل مكان . هبت قوية في الألفية الجديدة و العولمة , لَكن ربما كان هذا غير كافي للنسيان .صراع داخلي (حب الحياة , حب الوطن )و العودة . الأثنان يتصارعان كل منهما يرد أن يسود علي الأخر، عشق الوطن و البيت القديم النخلة التى نبتت يوم ميلاده و كبرا معا و كأن حالة فريدة بين إنسان و نخلة علاقة غير مفهومة ولكن تكلم عنها كل أهل القرية و قد فارقها دون ذنب قد أقترفه و منذ رحل عنها لَم تعد تعطي ثمراً . و لأسباب التهور و الحقد و البغض، بسبب هولاء فرضت قيود مُميتة جعلت البرىء جاني و الطليق الحر مكبل بقيود لا يراها خلف أسوار عالية . لاتعطي الشمس نورها في ظل الأحباب و الأهل و لكن عليك أن تعيش محروم من الحب و الدفء و غيرهما. عش كيفما شئت ؟ لكنه قرر العودة رغم كل الصعوبات و الضيقات كان قرار لا رجعة فيه، فداخله شوق لا يفرغ و إصرار لا يلين و قرر أن يقهر كل هذه الصراعات التي تدور بداخله، إهتدي بعد تفكير طويل أن تكون العودة بشروط، لجأ لبعض الخطط, لابد و أن يقوم بها أولاً حتى يطمئن للعودة بسلام، أرسل من يستطلع الأخبار هناك . دخل الرسول ليلاً و كانت القرية قد أنتشرت به أعمدة الأنارة , على حسب الوصف وصل إلى البيت و منها إلى دوار العمدة , مرق سريعا علي منازل الخصوم, كان تغيير شامل و كامل كل الأماكن و الأركان قد هبت ريح التغيير عليها بقوة حتى دخلت بين الشقوق و الأزقة و ظهرت البيوت الجديدة بجواره العتيقة جدران خرسانية بجوار جدران طينية و مطاعم كبيرة فخمة و أفران خبز للعيش الفينو و الشامي و مقاهي تقدم خدمة ( الواي فاي ). شيدت مدرسة إبتدائية و أخرى إعدادية و دار حضانة و وحدة صحية , تضاءل دور حلاق الصحة و أختفت تماماً القابلة (الداية )و لكن مازالت الماشية تخرج إلى الحقول و الأوز و البط يسبح في الترع و مجاري المياه و كذلك النخيل و الحقول و المبادئ الأولى كما هي لَم يصبها رياح التغيير رجع المرسال ينقل الأخبار صحيحة كما هي , و لكن كان الراى الأول و الاخير له . تردد كثيراً و لكنه قرر أخيراً العودة و لكن لابد من ضوابط خاصة. عليه أن يذهب للقرية ليلاً في ظل جناح الليل المظلم الأمن ليستر عليه من ضوء الشمس الكاشف . - أتعود بعد هذه الغربة الى الوطن متخفي غريب ؟ لمن يكن يوما مجرم و قاطع طريق بل كان قلب نابض بالحب و السلام و عقل يطمح لما فوق الأفق لأجل قريته المحببة إلى قلبه المتسع ليشمل كل البشر و اولهم الخصوم . أنتظر حتي نامت القرية كلها و نزل من طريق الجبل، لا زال يتذكر الطريق المؤدي إلى الدار القديمة تخطى الطريق مسرعا ً حتي لا يصطدم بأحد من أهل القرية و هو يعرف جيداً لا غريب يدخل إلا و أن يقدم تقرير مفصل لأسباب زيارته و كم تستغرق و عند من و ... غيرها . مضت ساعات الفجر الأربعة الأولى أسرع الخطى أندهش و أنفرجت أسارير وجهه المضطرب عندما وجد توأمته لأزالت علي قيد الحياة أقترب منها و حضنها بقوة و قبلها و مرر نظره عليها من جزعها حتي أخر سعفها العالي و جريدها التي كان يرحب به بفعل ريح الليلى النادي , تلك هي النخلة التى قضى معها سنوات الصبا , كان بيته علي بعد خطوتان فقط أصابته نشوة العودة و النصر بما خطط، الدار أمامه، دخل الباب و لَم يجد عناء , أغلق الباب خلفه و أشعل لمبة الجاز ذات العويل لا زالت موجودة و الغاز باقي فيها , وجد كل شيء كما هو أعشاش الحمام الزاجل كان لايزال إلى الأن, مكان البقرة و عجلها و مرابطهم و الأوتاد كما هي, السياج الذي يحوي التبن . قفز سريعا إلى الدرج مثلما كان يفعل قديما و هو فتي رشيق و صعد علي السلم الطيني إلى أعلى و هنا وجد الحجرة التي كانت تنام فيها الأسرة كلها تذكر الوالدين و الأخوة خرج إلى السطح الذي كان مقابل حجرة النوم كانت الفرن لازالت موجودة و مسح بأصابعه الصماد المتراكم على الفرن الطيني و تذكر رائحة الخبز البلدي الذي كان يخرج لتوه من الفرن و مرت دقائق حتي صاح ديك الجيران و سمع صوت خوار الماشية تستعد للخروج و الأستمتاع بدفء الشمس و التمرغ بين الحشائش , قرر أن يبقى فترة نهار اليوم القادم داخل البيت حتي تمر الساعات و الليل الجديد ليرحل مرة أخرى إلى أن تتحسن الأمور و يكتشف خطط أفضل . و بينما يفكر فى الوضع الراهن حتي أنتشرت رائحة الدخان من بيت الجيران التي لازالت تشعل الفرن الطيني بالوقيد البدائي (من البوص و مخلفات الماشية ) وأشتم رائحة الماضي البعيد و أعادت له صورة حقيقية قديمةً، عودته من المدرسة ليجر ى عند أمه لتعطي له رغيف الخبز الساخن الغارق فى الزبد و السكر صنع خصيصا له، كانت أكلته المفضله التي ينتظرها من أسبوع لأسبوع يوم ( الخبيز) يتمني أن يدفع ربع أرباحه و تجارته و أملاكها لآجل رغيف الخبز هذا بشرط أن يكون من صنع أمه، إستند على الصومعة القديمة و لأزال بها بعض الحنطة , ليرى البيت المجاور، لتعيد له ذكريات أخري , يراقب المشهد والسيدة العجوز تحمل العجين بين يديها و تهبط به إلى الوعاء ليصدر فرقعة محببة لأذنه و كيف السبيل للعودة مرة أخرى لهذه العهود أو العودة المطلقة ؟ أرتجف و حزن و زرفت عيونه دمعات معدودة و لَم يتمالك أعصابه و جلس القرفصاء و بينما يحاول تجميع شتاته إكفهر وجه السماء و رعدت و تساقطت أمطار في غير موعدها و كان البرق يكشف حدود المكان و صوت الرعد أختلط بصوت البارودو تزلزلت القرية كلها و سمع صراخ و عويل من جميع أرجاء المكان من البيوت و الحقول و المدرسة و كأن القرية ترفض رياح التغيير .

 

 

Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter Twitter Post on Facebook :مشاركة في