الحارس كسّار - زاهر العجلاني

بواسطة عدد القراءات : 355
الحارس كسّار - زاهر العجلاني

الحارس كسّار - زاهر العجلاني

الجزء الاول :

(1)

حينما تربح لا بد أن تخسر يوماً ما، وحين تخسر لا بدَّ أن تصبح إنساناً، وحين تصبح إنساناً لا بدَّ أن تتخلى عن البشرية، وحين تتخلى عن البشرية يقولون إنك مجنون! وحين تصبحُ مجنوناً، تصبحُ جميع الاحتمالات أمامك مفتوحة، وتصبحُ الحريّة أمراً ممكناً. 

منذ نعومةِ أظفاري، وأنا أشعر بفراغٍ قاتلٍ يعتري روحي، ويقتل الأمل في ذاتي؛ فلا إيمان، ولا عقيدة، ولا أي نوع من أنواع الفلسفة أو الأدب روى عطشي وساعدني في أن أَجدَ معنىً في هذه الحياة. 

لعلي أستطيع القول بثقة شديدة أنَّ حياتيَ كانتْ مُتَّسِمَةً بالعبثية العدمية؛ لهذا حاولت الانتحار عدة مرات. في كل مرة كنتُ أنجو فيها من براثن الموت، كانوا يضعونني في مصحة الأمراضِ العقليةِ لشهرٍ أو اثنين، قبلَ أن يُطلِقوا سراحي. 

بعد كلِّ محاولةٍ فاشلة، كنت أعود إلى بيتي وإلى كتبي. وبعد شهورٍ من القراءة النهمة، كنت أصل إلى نفس النتيجة القاسية: من لا شيء جئنا وإلى لا شيء سنعود. كالعادة، كنت أعاود الكَرَّة، فأقطّع أوصالي باحثاً عن مخرج من هذه المحنة التي يسمونها الحياة.

المرة الأخيرة كانت مختلفة.

"هذه المرة لن تخرج! هنالك أمرٌ من المحكمة بالحجر عليك. القاضي والطبيب النفسي المسؤول عنك اعتبرا أن ميولك الانتحارية تدلُّ على أنك لست بكامل قواك العقلية. فستبقى هنا في المصحة حتى إشعارٍ آخر،" قال لي الممرض مبتسماً قبل ثلاث سنواتٍ. 

"حسناً،" رددت عليه حينذاك بنبرةٍ باردةٍ.

"ألن تغضب؟ ألن تصرخ؟ ألن تبدأ بالمطالبة بحريتك؟"

"لا،" أجبتُ باقتضاب. 

"للرب في خلقه شؤون. على كل حال، إن أردت شيئاً اضغط على الجرس بجوار سريرك، وسوف يأتيك أحد الممرضين،" قال قبل أن يهمَّ بالخروج من الغرفة. 

الغرفة، بجدرانها المتآكلة ونافذتها ذاتِ القضبان، كانت كئيبةً جداً، ومليئةً برائحةِ الصدأ. كأي غرفة في مصحةٍ عقليةٍ، كانت حُجْرةً شبه خالية من الأثاث؛ لم يكن فيها إلا سرير حديدي بفراش أبيض وأغطية بيضاء، وطاولة صغيرة ملقاة في الزاوية. 

احتضار! كانت غرفتي تُشْعِرُني بأن الكون كله يحتضر ويطْبِقُ عليَّ بفكيه لنتلاشى معاً إلى لا شيء، إلى سوادٍ، إلى عَدَمْ. 

بصرف النظر عن سوداوية المكان، كنت أُفَضِّلُّ البقاء فيه على الخروج إلى حديقة المصحة والاختلاط بالآخرين من ممرضين وأطباء وحراس ومرضى. كان خروجي مُقْتَضَباً ومُقْتَرِناً برغبتي في تدخين السجائر. 

وهكذا خلال ثلاث سنواتٍ، لم أصادق أحداً إلا كتبي وديالا.

ديالا كانت فتاةً متوسطة الجمال في منتصف عقدها الثاني، ولربما قلت إنها كانت قبيحة لولا زرقة عينيها وشعرها الأشقر. جسدها كان ممتلئاً وقامتها كانت قصيرة، لكنني لطالما وجدتُ شيئاً من الطيبةِ في عينيها، فكانت رؤيتها تجلب لي القليل من الدفء، وتكسر وحدتي. 

كيف يمكن لفتاةٍ برقتها أن تكون مهووسةً بإشعال الحرائق وإيذاء البشر؟ كنت أسأل نفسي دائماً. 

بشكلٍ عام، كان الجو في المصحة هادئاً، وعدا عن الصرخاتِ التي كان يطلقها بعض مرضى الفصام أحياناً، لم يكن المرء ليسمع شيئاً آخراً يَدِبُّ الذعر أو الأرق في النفس. 

كانت المصحة تعمل بدقةٍ كالساعة. الفضل في هذا كان يعود لكسَّار، الحارس الأربعيني الذي عرف بقسوته. كسّار كان رجلَ شرطةٍ سابق قد تمَّ تسريحه من العمل بعد اتهامه بالعنف غير المُبَرّر والتعامل بقسوةٍ شديدةٍ مع أحد المواطنين. 

شَعْرُهُ كان قصيراً، وعدا عن شاربه الأشيب، كان حليق الذقن تماماً. كان جسدهُ ضخماً، وكانت كتفاه عريضتين جداً، مما جعل منظره ذا هيبةٍ استثنائية. لذلك، لم يكن أحدٌ من المرضى ليتجرأ على عصيان أوامره، وإن حدث أيٌّ من هذا القبيل، كانت عصاهُ الغليظة كفيلةً بحلِّ المشكلة.

لم يكن كسار مهتماً إطلاقاً بالمحادثات الشخصية مع أي من المرضى إلا معي.

"كيف الحال يا دكتور؟" كان يسألني كلما دخل غرفتي.

"ما زلتُ حيَّاً كما ترى،" كنتُ أجيبه. 

كان كسار يكره أجوبتي المتحاذقة، فكان يحدِّقُ في عيني لعدةِ ثوانٍ، ثمَّ يقول شيئاً من قبيل: "وهل أنت سعيدٌ بهذا؟"

"قل لي أنت أولاً، هل الحياة أفضل من الموت؟ إذا كانت أفضل، أكون سعيداً؛ وإذا كانت أسوأ، أكون حزيناً."

"كم مرة قلت لك لا تجب السؤال بسؤال؟"

"كم مرة قلت لك أنني لست بدكتور؟"

"لماذا تقرأ كل الوقت إذاً؟"

"ها أنت تفعل مثلي، تجيب السؤال بسؤال."

"على ما يبدو أننا نشبه بعضنا أكثر مما تصورت."

"على ما يبدو." كنتُ ابتسمُ له دائماً قبل أن يهم بالخروج.

بالرغم من صيته السيِّء، وخوف المرضى والممرضين والأطباء منه على حدٍ سواء، كنت أشعر دائماً أن رُعبهم المَرَضِي منه غير مُبَرَّرٍ على الإطلاق. 

أنا شخصياً لم أرهُ يعنِّفُ أحداً إلا مرةً واحدة: في أحد الأيام كنت أدخِّنُ في حديقة المصحة مع ديالا، حين رأيته يضرب شهاب، الشاب العشريني الذي كان يعاني من جنون الارتياب.

"لا أريد أخذَ المهدئات!" كان شهاب يصرخ، ملتوياً على الأرض بعد أن كان كسّار قد وضعَ ركبته اليمنى على منتصف ظهر شهاب، وثبّتَ كتفيه على الأرض.

"لا تقاوم، هل تسمعني، لا تقاوم،" كان كسّار يصرخ. 

"إنهم يضعون حبوب هلوسة في دوائي! أنا لست بمجنون."

"اخرس وخذ الدواء."

"لا أريد."

"أنا حذَّرتك يا عرصة،" صرخ به كسار حينئذٍ، قبل أن يقلبه على ظهره، ويضع الحبوب في فمه، مرغماً إيّاهُ على شرب الماء. 

كانت ديالا ترتجفُ بشدة. "سوف يخنقه، الوحش سوف يخنقه،" كانت تمتم تحت وطأة الخوف.

"لا تخافي،" جاوبتها. "لن يخنقه. كَسّار يعرف ما يفعل."

"أنت لا تعرف شهاب. أنا أعرفه جيداً، إنه رقيق جداً. أخاف أن يموت بين يديه،" كانت تتلعثم وتبكي. 

أما أنا فتلك الحادثة لم ترعبني، لأنني كنت أعرف أن لا شيءَ أكثر قسوةً على الإنسان من الإنسان. 

مساكين هم أولئك الذين ترعبهم قسوة البشر، فلو أنهم فتحوا كتاباً أو قرأوا تاريخاً لعرفوا أن العنف واقعٌ لا مفر منه، قلت لنفسي حينها. 

عدا عن هذا، كان شهاب مريضاً فعلاً، وكان يعاني من جنون الارتياب، وكان بحاجةٍ لأن يأخذ دواءه، من أجلِ ألا يصبح عنيفاً ويؤذي نفسه والآخرين

كسار، بالنسبة لي، كان يقوم بواجبه.

كيف لنا أن نترك المصحة تدار من قبل المجانين، لا مفرّ من العنف في هذه الحال، لا يمكن أن نترك المجانين أحراراً، لا يمكن أن ندعهم يحكمون أنفسهم، قلتُ لنفسي قُبَيْلَ نهاية ذاك المشهد القاسي. 

(2)

لأن الربَّ يجعل الشمس تشرق على الأشرار والأخيار، أشرقت الشمس علينا ذاك اليوم. 

كان النهار ما يزالُ فتياً، وكانت الشمس تُهَرِّبُ إلي نورها من بين قضبان النافذة، وتلقي بأشعتها الدافئة على جدران غرفتي المتهالكة. 

كنت مستلقياً على السرير، أقرأٌ "القط الأسود" لإدغار آلان بو، حين دخلت عليَّ ديالا مصطحبةً معها شهاب.

"اسمع ما يريد هذا المجنون،" قالت لي ديالا.

"يا فتاح يا عليم،" رددت عليها باستهزاء، واضعاً الكتاب جانباً.

"اسمع ما يريد هذا المجنون،" قالتْ مرةً أُخرى.

"ماذا يريد؟"

كان الصمت يعتري شهاب الذي كان يحدِّقُ في زاوية الغرفة دون أن يرفَّ له جفن.

"يريد أن يقتل كسار،" هَمَسَتْ ديالا. 

"وما دخلي أنا! ديالا، حبيبتي، أنا أحبُّ أن ابتعد عن المشاكل قدر المستطاع، فخذي شهاب واخرجي."

"لا تقل هذا! أنت الوحيد هنا الذي يمكنني أن أثق به."

"ديالا، اسمعي، نصيحتي لك أن تخبري الإدارة."

"لا أستطيع أن أشيَ بشهاب."

"ديالا، نحن نتكلم عن جريمة قتل. متى تريدين أن تخبريهم، بعد أن تحصل الجريمة؟"

"أرجوك، أقنعه أن يعدل عن هذه الفكرة. كسّار سيقتله بلا تردد إذا رآه يلوح سكيناً في وجهه."

"ديالا، إن لم تخبريهم فسأخبرهم أنا."

"سأقتلكَ إن فعلتْ،" قال لي شهاب دون أن ينظر إلي. "العرص، أهانني أمام الجميع. لقد فعلها عن قصد، فمنذ رآني أول مرة، وهو يحضر لي المكائد. لن أدع أحداً يقف في طريقي، سأنتقم منه. سأنتقم!"

زرعتْ كلماتُ شهاب الخوف في قلبي، وجعلتني أشعر أنني أنا—ككسار—مهدد. فنهضت من على السرير، وأمسكت بيد ديالا، وأخذتها خارج الغرفة. لحسن الحظ، لم يلحق بنا شهاب، فعلى ما يبدو، كان شهاب مدركاً لحقيقة أني أكثرُ جبناً من أشي به.

"ديالا، ما هذا الهراء،" همستُ لها. "ما دخلي أنا في مواضيعٍ كهذه. أنا هنا لأبتعد عن كل المشاكل. أنا لست بمجنون مثلكم. أنا هنا فقط لأني أعقل من أكون في الخارج. أرجوكِ أن تدعيني وشأني. كيف تدخليني بموضوعٍ كهذا؟ هذه جناية!"

كانت ديالا صامتةً.

"ما بالك؟ هل أكل القط لسانك؟"

"الله يسامحك؟ أنا مجنونة في نظرك؟"

"لا تُشخْصني الأمور، كل العالم مجانين في نظري. الآن تأخذين شهاب وتخرجين من غرفتي. لا أريد أن أراك أو أراه."


--

يتبع ...

Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter Twitter Post on Facebook :مشاركة في